محمد بن جرير الطبري
43
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذكر عليه عنه ، وهو : وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني ، فلم تستعبدني ، فترك ذكر " وتركتني " لدلالة قوله أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ عليه ، والعرب تفعل ذلك اختصارا للكلام ، ونظير ذلك في الكلام أن يستحق رجلان من ذي سلطان عقوبة ، فيعاقب أحدهما ، ويعفو عن الآخر ، فيقول المعفو عنه هذه نعمة علي من الأمير أن عاقب فلانا ، وتركني ، ثم حذف " وتركني " لدلالة الكلام عليه ، ولأن في قوله : أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ وجهين : أحدهما النصب ، لتعلق " تمنها " بها ، وإذا كانت نصبا كان معنى الكلام : وتلك نعمة تمنها علي لتعبدك بني إسرائيل . والآخر : الرفع على أنها رد على النعمة . وإذا كانت رفعا كان معنى الكلام : وتلك نعمة تمنها علي تعبيدك بني إسرائيل . ويعني بقوله : أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أن اتخذتهم عبيدا لك . يقال منه : عبدت العبيد وأعبدتهم ، كما قال الشاعر : علام يعبدني قومي وقد كثرت * فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ قال : قهرتهم واستعملتهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : تمن علي أن عبدت بني إسرائيل ، قال : قهرت وغلبت واستعملت بني إسرائيل . حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ وربيتني قبل وليدا . وقال آخرون : هذا استفهام كان من موسى لفرعون ، كأنه قال : أتمن علي أن اتخذت بني إسرائيل عبيدا . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ قال : يقول موسى لفرعون : أتمن علي أن اتخذت أنت بني إسرائيل عبيدا . واختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي البصرة : وتلك نعمة تمنها علي ، فيقال : هذا استفهام كأنه قال : أتمنها علي ؟ ثم فسر فقال : أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ وجعله بدلا من النعمة . وكان بعض أهل العربية ينكر هذا القول ، ويقول : هو غلط من قائله لا يجوز أن يكون همز الاستفهام يلقي ، وهو يطلب ، فيكون الاستفهام كالخبر ، قال : وقد استقبح ومعه أم ، وهي دليل على الاستفهام واستقبحوا : تروح من الحي أم تبتكر * وماذا يضرك لو تنتظر ؟ قال : وقال بعضهم : هو أتروح من الحي ، وحذف الاستفهام أولا اكتفاء بأم . وقال أكثرهم : بل الأول خبر ، والثاني استفهام ، وكأن " أم " إذا جاءت بعد الكلام فهي الألف ، فأما وليس معه أم ، فلم يقله إنسان . وقال بعض نحويي الكوفة في ذلك ما قلنا . وقال : معنى الكلام : وقعت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين لنعمتي : أي لنعمة تربيتي لك ، فأجابه فقال : نعم هي نعمة علي أن عبدت الناس ولم تستعبدني . وقول قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ يقول : وأي شيء رب العالمين ؟ قالَ موسى هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومالكهن وَما بَيْنَهُمَا يقول : ومالك ما بين السماوات والأرض من شيء . إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ يقول : إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه ، فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو رب السماوات والأرض وما بينهما . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ . . . قالَ لَئِنِ